عبد العزيز الدريني

85

طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب

دموعه فنودي : يا داود أجائع أنت فتطعم أم ظمآن فتسقى ، أم عار فتكسى ؟ فانتحب عند ذلك حتى احترق العشب من حرّ جوفه . وكان لا يمد يده إلى طعام ولا شراب إلا تذكر خطيئته فيبكى حتى يؤتى بالقدح ناقصا فيتمّه بالدموع . وما رفع رأسه إلى السماء حتى مات . وكان يقول : إلهي إذا ذكرت خطيئتي ضافت علىّ الأرض برحبها ، وإذا ذكرت رحمتك ارتدت لي روحي ، سبحانك إني أتيت أطباء عبادك ليداوونى فكلهم دلوني عليك فبؤسا للقانطين من رحمتك . إلهي أمدّ عيني بالدموع وضعفي بالقوة حتى أبلغ رضاك عنى . وذكر ذنبه يوما فوثب صارخا واضعا يده على رأسه حتى لحق بالجبال فاجتمعت عليه السباع فقال ارجعوا لا أريدكم إنما أريد كل بكاء على خطيئته فلا يستقبلنى إلا بالبكاء ، ومن لم يكن ذا خطيئة فما يصنع بداود الخاطئ . وكان يعاتب في بكائه ، فيقول دعوني أبكى قبل خروج يوم البكاء ، وقبل انحراق العظام واشتعال الحشا ، وقبل أن يؤمر بي ملائكة غلاظ شداد لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون . ولما طال بكاؤه وضاق ذرعه واشتد غمه ، قال يا رب أما ترحم بكائي ؟ فأوحى اللّه تعالى إليه : يا داود نسيت ذنبك وذكرت بكاءك ؟ فقال إلهي وسيدي كيف أنسى ذنبي وكنت إذا تلوت الزبور كف الماء الجاري عن جريه وسكن هبوب الريح وأظلتني الطير على رأسي وأنست الوحوش بي . إلهي وسيدي كم هذه الوحشة بيني وبينك ؟ فأوحى اللّه تعالى إليه : يا داود ذلك أنس الطاعة وهذه وحشة المعصية . إن آدم خلق من خلقي خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي وأسجدت له ملائكتي وألبسته ثوب كرامتي وتوجته بتاج وقارى ، وشكا إلىّ الوحدة فزوجته بحواء أمتي وأسكنته جنتي وعصاني فأخرجته من جواري عريانا ذليلا . يا داود اسمع منى والحقّ أقول : أطعتنا فأطعناك وعصيتنا فأمهلناك ، وإن عدت على ما كان منك قبلناك . ويروى أن داود عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد أن ينوح على ذنبه مكث سبعة أيام لا يأكل ولا يشرب ولا يقرب النساء ، ثم يخرج له منبر إلى البرية ثم يأمر سليمان عليه الصلاة والسلام أن ينادى بصوت عال : من أراد أن يسمع نوح داود فليأت ، فتأتي